ابن حزم
333
الاحكام
إلا وحي يوحى ) * فصح أن كلامه كله صلى الله عليه وسلم وحي ، وأن الوحي محفوظ لأنه ذكر ، فلو بينه عليه السلام ولم ينقل إلينا لكان غير محفوظ ، وقد أكذب الله تعالى هذا القول ، لأنه لم ينقل أحد أنه أمره بالإعادة لغير الانفراد . والوجه الثالث : أن أحاديث كثيرة ثبتت بفرض تسوية الصفوف فيها ، وفيها إبطال صلاة من صلى منفردا ، وقد ذكرناها في الفصل الذي فيه ترجيح الأحاديث في باب الاخبار من كتابنا هذا . والرابع : إن نقل الناقل الثقة أنه صلى منفردا فأعاد نقل وإنذار ببطلان صلاة المنفرد - عنه عليه السلام ، فواجب قبوله . والخامس : أن قول القائل لعله كان هنالك سبب لم ينقل إلينا ظن . وقد قال تعالى : * ( إن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) * . وقال عليه ا لسلام : الظن أكذب الحديث ولا يحل ترك نقل الثقات لظنون زائفات . وأما تخريج من خرج منهم : أن الحاجم والمحجوم كانا يغتابان الناس ، فإنهم استجاروا من الرمضاء بالنار ، وهم لا يرون إفطار الصائم بالغيبة ، فقد عصوا على كل حال ، ولولا أن الرخصة وردت صحيحة من الحجامة للصائم ، لأوجبنا الافطار بها ، ولكن استعمال الأحاديث يوجب قبول الرخصة ، لأنها متيقنة بعد النهي ، إذ لا تكون لفظة الرخصة إلا عن شئ تقدم التحذير منه ، ولهذا الحديث أجزنا الحجامة للصائم ، وأن يكون حاجما ومحجوما على ظاهر لفظ الأحاديث ، لا بالحديث الذي يقول : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم ، لأنه ليس في ذلك الحديث دليل على أنه كان بعد النهي فهو موافق لمعهود الأصل ولا فيه بيان أيضا ، أنه كان في صيام فرض لا يجوز الافطار فيه ، بل لعله كان في تطوع يجوز الافطار فيه ، أو في سفر كما جاء في بعض تلك الأحاديث : أنه كان صائما محرما عليه السلام ، وبالله تعالى التوفيق .